الخميس 09 نيسان 2009 - السنة 76 - العدد 23664  

صفحة 8

على دروب التخلف الملتوية... إلى الأمام سر

بقلم الدكتورة ماري كلود حلو سعادة      

 

كيف نفسر موافقة لجنة الادارة والعدل النيابية على اقتراح القانون المتعلق بمحاكمة الرؤساء والوزراء والذي يمنح هؤلاء حصانة تتيح لهم الافلات من الادانة في حال ارتكابهم جرائم كاختلاس الاموال والفساد وصرف النفوذ والغش، مما دفع النائب بطرس حرب الى استهجان الامر نظرا الى خطورة نتائجه على الحكم الصالح في لبنان وعلى ادارة الاموال العامة، في حين ان اقتراح قانون يعزز انماء المناطق من خلال منح النساء المتزوجات حق الترشح للانتخابات البلدية في البلدات التي كن مسجلات فيها قبل زواجهن، قد يعاني مشقة في سلوك طريقه الى بعض نوابنا الكرام


على رغم بعض التحفظات التي اثيرت في لجنة الدفاع الوطني والداخلية والبلديات التي يرئسها النائب سمير الجسر، فقد حظي هذا الاقتراح بصورة اجمالية بترحيب واف من اعضاء هذه اللجنة مما دفع بالرئيس الجسر الذي كان له الفضل في ادراج هذا الاقتراح في جدول اعمال لجنته، في ختام المناقشات، الى مطالبة النائب عبدالله فرحات الذي تقدم به تعديل نص الاقتراح بحيث يقتصر حق المرأة على الترشح في بلدة واحدة تختارها بين بلدتها الاصلية او بلدة زوجها


نوجه في هذه المناسبة تحية صادقة الى فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لاهتمامه الشخصي بهذا الموضوع وتفهمه الواسع له، كما نشكر كلا من النائب عبدالله فرحات لتقديمه اقتراح القانون والتعريف بأهميته وترويجه له، والوزير نسيب لحود لدفاعه الحازم والنير عن هذا الملف في مجلس الوزراء، والنائب غسان مخيبر لدعمه الصريح له في لجنة الدفاع الوطني والداخلية والبلديات. كما نشكر جميع الشخصيات السياسية والاجتماعية التي شاءت مؤازرتنا في مسيرتنا هذه


غير ان ما يؤسف له، ان هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل التي دعيت الى ابداء الرأي في الموضوع في مجلس الوزراء، قد تذرعت بالقول: "ان من اهداف  الزواج ان تندمج المرأة ايضا في بيئة زوجها وبالتالي تترشح عندها لعضوية المجلس البلدي في بلدة زوجها الذي انتقلت على خانته


وهذا الرأي الجائر الذي قد يقابل بالابتسامة، المجرد من اية حجة قانونية والذي يفتقر الى اساس شرعي متين له، ويسهل نقضه في ضوء مبدأ المساواة الذي يكرسه الدستور، ينتقص لا محالة من دور المرأة. انه في محصلة الكلام، خليط هجين بين "مدنس" صندوق الاقتراع و"مقدس" الزواج، الذي قد تتردد المحكمة الروحية الاكثر تشددا في تصديقه. انه في النتيجة رأي على درجة عالية من الارباك في بلد حيث احكام الزواج منوطة بالمحاكم الروحية لدى الطوائف المختلفة لا بالسلطات المدنية، وحيث تعدد الزوجات مباح شرعا ورسميا مما يضع "العلاقة الاندماجية" بين الازواج والتي نادت بها هيئة التشريع لضرورات القضية، في موضع حرج . كذلك يمكننا التساؤل لماذا هذه "العلاقة الاندماجية" غير واجبة في الانتخابات النيابية حيث تستطيع المرأة الترشح في اية دائرة تختارها؟ هل المرشحات للنيابة هن " اقل التزاما" لواجب "الاندماج في الزواج"، ويجاز لهن التحرر من هذا الواجب، من المرشحات للانتخابات البلدية؟ من شأن هذا التحليل ان يقودنا بصورة منطقية الى مطالبة المرشحات للانتخابات النيابية بعدم الترشح الا في دوائر ازواجهن الانتخابية . " فالاندماج" يقضي بذلك


من المحزن ان نلاحظ اننا نتعامل في لبنان مع طبقة سياسية متخلفة عن زمانها، متحجرة في رجعيتها، منفصلة عن ارض الواقع، ترسو بنظام مر عليه الزمن، منقادة اكثر مما تقود، ولا يشكل التفكير في قضايا المجتمع اهتماما غالبا لديها. كل مسيرة اصلاحية في بلادنا تصطدم مباشرة بالمصالح الخاصة على حساب المصالح العامة بالطبع. ما ان تبرز في الافق خطوة اصلاحية حتى تفوق الجدران التي ترتفع في وجهها عدد السواعد التي تساندها. قد يكون كافيا قيام عدد ضئيل من رؤساء البلديات الذين يعانون تدني شعبيتهم ويقلقون من تأثير مثل هذه الخطوة الاصلاحية في تطلعاتهم الانتخابية حتى تتحرك آليات حماية الامتيازات المعروفة في ارجاء مجلس النواب وتنطلق لتحقق اهدافها


يبقى ان اكثر ما يثير الدهشة في هذه المسألة هو ان وزير الداخلية، الاستاذ زياد بارود، وهو المعني الرئيسي بمسألة البلديات، لم يكلف نفسه خلافا لزملائه في الحكومة، عناء استقبال الجمعية اللبنانية للتنمية المحلية، مع انها تحتضن اقتراح قانون قدمه احد النواب، وذلك على رغم الطلبات الخطية والشفهية التي وجهت اليه اعتبارا من 28 كانون الثاني 2009، ما يمثل تقصيراً يؤسف له. الا يثير العجب ان يتجاهل شخص آت من المجتمع الاهلي مطالب اساسية كانخراط النساء في انماء بلداتهن


ثمة ما هو أخطر من ذلك ويتمثل في الاستشارة القانونية لوزير الداخلية في تاريخ 11 شباط 2009 والتي رفعها الى رئاسة مجلس الوزراء ومجلس النواب وهي تتجنب بعناية فائقة الاجابة عن السؤال المطروح، وترد على اقتراح تعديل قانون البلديات الذي قدمه النائب فرحات، مستندة الى احكام... القانون المرعي الاجراء ! فيقول الاستاذ بارود في استشارته: "ونرى مما تقدم (أي المادة 24 من القانون رقم 25 تاريخ 8/10/2009 والمادة 25 من القانون رقم 665 – 97 تاريخ 29/12/1997) ان القيود المدرجة على قائمة الناخبين في بلدة ما، يحق لها فقط ان تقترع او تترشح لمركز مختار او عضوية مجلس بلدية، سواء اكانت المرأة المتزوجة لا زالت على قيد اهلها او انتقلت الى قيد زوجها


لماذا لجأ الاستاذ بارود الى هذه الحيلة وتهرب من ابداء رأي وزارته في اقتراح القانون المذكور؟ لم يطلب منه ابداء رأيه في صحة بطاقة انتخابية او في صحة احد الترشيحات كي يتذرع بالقانون المرعي الاجراء، بل طلب منه ابداء الراي في اقتراح تعديل القانون المعمول به. علما ان اقتراح القانون الذي قدمه النائب فرحات يتناول فقط حق المرأة المتزوجة في الترشح وليس حقها في الانتخاب او في نقل قيودها من مكان الى آخر


بناء عليه، ولما كانت بعض الظلال لا تزال تحوم حول تعامل وزير الداخلية الاستاذ بارود مع هذا الملف والتي يضيق المجال للتطرق اليها في اطار هذا المقال، فان الجمعية اللبنانية للتنمية المحلية تطالب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بفتح تحقيق بغية بيان الاسباب التي دعت لمعالجة هذا الملف على هذا النحو المعتم والغامض وتحديد المسؤوليات بشكل واضح


الا انه ينبغي القول في هذا المجال ان قرار مجلس الوزراء له طابع استشاري وغير ملزم لمجلس النواب. ولا يحدّ بالتالي من عزمنا. وليطمئن الجميع، فمعركتنا من اجل الحق والعدالة لا تزال في بدايتها. ولن يؤدي اعاقة او ابطاء كل اصلاح مشروع الا الى ترسيخه في الذاكرة الجماعية للشعوب من خلال جعله، على غرار وردة الامير الصغير، ذا قيمة اكبر
وكما جاء في الرواية، كان الامير الصغير يتمتم: "انه الوقت الذي صرفته في سبيل وردتي ". ويجيب الكاتب سانت اكزوبري على لسان الثعلب: "لقد نسي البشر هذه الحقيقة، ولكن لا ينبغي لك نسيانها. انت تصبح على الدوام مسؤولا عما دجنته. انت مسؤول عن وردتك

 

الدكتورة ماري كلود حلو سعادة      
دكتور دولة في القانون من جامعة باريس، رئيسة الجمعية اللبنانية للتنمية المحلية

 

اقتراح القانون المقدم من النائب عبد الله فرحات

الاستشارة القانونية للاستاذ بارود

 

 

 

 
 

 

  http://Aldl.GlobalAdvocacy.com     
Copyright © 2004-2008 GlobalAdvocacy.com
   User Agreement | Privacy Policy